أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

19

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

المبحث الثاني منهج السمين ذكر السمين - رحمه اللّه تعالى - في مقدمة الكتاب « الدر المصون » المنهج الذي سلكه في كتابه كما ذكر لنا - غفر اللّه له - خطوات ذلك المنهج والأسباب التي دفعته إلى تأليف ذلك السفر العظيم ، فيقول : « القرآن أفضل كتب اللّه الجليلة ، أنزله على خير خلقه عامة وبعثه به إلى خير أمة . . . جعل أمثاله عبرا للمتدبرين وأوامره هدى للمستبصرين ، وضرب فيه الأمثال ، وفرّق فيه بين الحرام والحلال ، وكرّر القصص والمواعظ بألفاظ لا تملّ ولا تخلق « 1 » على كثرة الرد ، وحثنا على فهم معانيه وبيان أغراضه ومبانيه فليس المراد حفظه وسرده من غير تأمل لمعناه ، ولا تفهّم لمقاصده فقال جلّ من قائل : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها « 2 » ، وقال تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ « 3 » ذم اليهود حيث يقرأون التوراة تلاوة من غير فهم ، وقد ذم السلف الصالح من يفعل ذلك . فالأولى بالعاقل الأريب « 4 » ، والفطن البيب أن يربأ بنفسه عن هذه المنزلة الدنّية ويأخذها بالرتبة السّنيّة ، فيطلع من علومه على أهمها وآكدها وهي - من بعد تجويد ألفاظه بالتلاوة - خمسة علوم : علم الإعراب ، وعلم التصريف ، وعلم اللغة ، وعلم المعاني ، وعلم البيان . وقد أكثر العلماء - رحمهم اللّه - من البحث عن ذلك ، واهتموا به غاية الاهتمام فجزاهم اللّه عن سعيهم أفضل الجزاء يوم الفصل والقضاء ، إذ هم الأئمة الممهّدون للقواعد ، المبيّنون لأصول المعاقد ، غير أن منهم جماعة لم يقتصروا على هذه العلوم الخمسة في مصنف يجمعها ، بل ضموا إلى ذلك ذكر سبب النزول ، وذكر القصص « 5 » على ما فعله المفسرون ، لأنهم لم يضعوا كتبهم إلا لذلك ، ومنهم من اقتصر على ذكر الإعراب فقط « 6 » ومنهم من اقتصر على علم مفردات الألفاظ فقط « 7 » وترك شيئا كثيرا من علم التصريف المتعلق باشتقاق اللغة ، مما لا يسع الإنسان جهله ، ومنهم من اقتصر على معرفة نظمه وجزالته وبلاغته مما يتكفل به علم المعاني والبيان « 8 » ، ورأيت أنّ هذه العلوم الخمسة متجاذبة شديدة الاتصال بعضها ببعض ، لا يحصل للناظر في بعضها كبير فائدة بدون الاطلاع على باقيها ، فإن من عرف كون هذا فاعلا ، أو مفعولا ، أو مبتدأ مثلا ، ولم يعرف كيفية تصريفه ولا اشتقاقه ولا كيف موقعه من النظم لم يحل بطائل ، وكذا لو عرف موقعه من النظم ولم يعرف باقيها .

--> ( 1 ) أي لا تبلى . ( 2 ) سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، آية ( 24 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 78 ) . ( 4 ) قال في اللسان 1 / 55 : والأريب العاقل . ورجل مأريب من قوم أرباء وقد أرب يأرب أحسن الإرب في العقل . ( 5 ) كما فعل أبو حيان في البحر المحيط . ( 6 ) مثل كتاب « الإملاء » لأبي البقاء . ( 7 ) مثل غريب القرآن لابن قتيبة . ( 8 ) مثل تفسير الكشاف لجار اللّه الزمخشري .